ابن كثير

45

السيرة النبوية

عليه وسلم لأبي طالب ، فقال أبو طالب : لا والثواقب ما كذبني . فانطلق يمشى بعصابته من بني عبد المطلب ، حتى أتى المسجد وهو حافل من قريش ، فلما رأوهم عامدين لجماعتهم أنكروا ذلك وظنوا أنهم خرجوا من شدة البلاء ، فأتوهم ليعطوهم رسول الله صلى الله عليه وسلم . فتكلم أبو طالب فقال : قد حدثت أمور بينكم لم نذكرها لكم ، فأتوا بصحيفتكم التي تعاهدتم عليها ، فعله أن يكون بيننا وبينكم صلح . وإنما قال ذلك خشية أن ينظروا في الصحيفة قبل أن يأتوا بها . فأتوا بصحيفتهم معجبين بها لا يشكون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مدفوع إليهم ، فوضعوها بينهم ، وقالوا : قد آن لكم أن تقبلوا وترجعوا إلى أمر يجمع قومكم ، فإنما قطع بيننا وبينكم رجل واحد ، جعلتموه خطرا لهلكة قومكم وعشيرتكم وفسادهم . فقال أبو طالب : إنما أتيتكم لأعطيكم أمرا لكم فيه نصف ، إن ابن أخي أخبرني ، ولم يكذبني ، أن الله برئ من هذه الصحيفة التي في أيديكم ، ومحا كل اسم هو له فيها ، وترك فيها غدركم وقطيعتكم إيانا وتظاهركم علينا بالظلم . فإن كان الحديث الذي قال ابن أخي كما قال فأفيقوا ، فوالله لا نسلمه أبدا حتى يموت من عندنا آخرنا . وإن كان الذي قال باطلا دفعناه إليكم فقتلتموه أو استحييتم . قالوا : قد رضينا بالذي تقول . ففتحوا الصحيفة ، فوجدوا الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم قد أخبر خبرها . فلما رأتها قريش كالذي قال أبو طالب قالوا : والله إن كان هذا قط إلا سحرا من صاحبكم .